العيني

185

عمدة القاري

ذكر معناه : قوله : ( وأبو بكر بالسنح ) ، بضم السين المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة ، وضبطه أبو عبيد البكري بضم النون ، وقال : إنه منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي ، بينه وبين المسجد النبوي ميل ، وبه ولد عبد الله بن الزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، وكان أبو بكر نازلاً به ومعه أسماء ابنته ، وسكن هناك أبو بكر لما تزوج ابنة خارجة الأنصارية . قوله : ( قال إسماعيل ) ، هو شيخ البخاري المذكور وهو ابن أبي أويس . قوله : ( يعني : بالعالية ) أراد تفسير قول عائشة : بالسنح ، العالية ، والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة . وأدناها من المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية ، والنسبة إليها علوي على غير قياس . قوله : ( والله ما مات رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) ، إنما حلف عمر ، رضي الله تعالى عنه ، على هذا بناء على ظنه حيث أدى اجتهاده إليه . قوله : ( قالت ) أي : عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قوله : ( ذلك ) أي : عدم الموت . قوله : ( وليبعثنه الله ) أي : ليبعثن الله محمداً في الدنيا فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم وهم الذين قالوا بموته . قوله : ( فجاء أبو بكر ) أي : من السنح ، فكشف عن وجه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فقبله ، وقد مر في أول الجنائز ، قالت عائشة : أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهي مسجًى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى . قوله : ( بأبي أنت وأمي ) أي : أنت مفدى بأبي وأمي . قوله : ( حياً وميتاً ) أي : في حالة حياتك وحالة موتك . قوله : ( لا يذيقك الله الموتتين ) ، بضم الياء من الإذاقة ، وأراد بالموتتين : الموت في الدنيا والموت في القبر ، وهما الموتتان المعروفتان المشهورتان ، فلذلك ذكرهما بالتعريف ، وهما الموتتان الواقعتان لكل أحد غير الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، فإنهم لا يموتون في قبورهم ، بل هم أحياء ، وأما سائر الخلق فإنهم يموتون في القبور ثم يحيون يوم القيامة . ومذهب أهل السنة والجماعة : أن في القبر حياة وموتاً فلا بد من ذوق الموتتين لكل أحد غير الأنبياء . وقد تمسك بقوله : ( لا يذيقك الله الموتتين ) من أنكر الحياة في القبر ، وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم ، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأن المراد به نفي الحياة اللازم من الذي أثبته عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بقوله : ليبعثنه الله في الدنيا ليقطع أيدي القائلين بموته ، فليس فيه من نفي موت عالم البرزخ . قوله : ( ثم خرج ) ، أي : ثم خرج أبو بكر من عند النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( على رسلك ) ، بكسر الراء وسكون السين المهملة ، أي : اتئد في الحلف أو كن على رسلك أي : التؤدة لا تستعجل . قوله : ( إلاَّ من كان ) ، كلمة ألاَ ، هنا للتنبيه على شيء يأتي أو يقوله . قوله : ( فنشج الناس ) ، بفتح النون وكسر الشين المعجمة بعدها جيم ، يقال : نشج الباكي إذا غص في حلقه البكاء ، وقيل : النشيج بكاء معه صوت ، نقله الخطابي ، وقيل : هو بكاء بترجيع ، كما يردد الصبي بكاءه في صدره ، وقال ابن فارس : نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب ، والنحيب بكاء مع صوت . قوله : ( في سقيفة بني ساعدة ) ، وهو موضع سقف كالسباط كان مجتمع الأنصار ودار ندوتهم ، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج ، وقال ابن دريد : ساعدة اسم من أسماء الأسد . قوله : ( فقالوا ) ، أي : الأنصار ( منا أمير ومنكم أمير ) إنما قالوا ذلك بناء على عادة العرب أن لا يسود القبيلة إلاَّ رجل منهم ، ولم يعلموا حينئذ أن حكم الإسلام بخلاف ذلك ، فلما سمعوا أنه ، صلى الله عليه وسلم قال : ( الخلافة في قريش ) أذعنوا لذلك وبايعوا الصديق . قوله : ( خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ) خشيت ، بالخاء المعجمة من الخشية وهو الخوف ، ويروى : ( حسبت ) ، بالحاء والسين المهملتين من الحسبان ، وفي رواية ابن عباس : ( قد كنت زورت ) ، أي : هيأت وحسنت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، أي : الحدة ، فقال : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه . قوله : ( فتكلم أبلغ الناس ) ، بنصب أبلغ على الحال ، وأبلغ أفعل التفضيل والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحة الكلام ، فالحال في الاصطلاح هي الأمور الداعية إلى المتكلم على الوجه المخصوص ، ويجوز الرفع على الفاعلية ، كذا قاله بعض الشراح ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أولى ، فالتقدير : فتكلم أبو بكر وهو أبلغ الناس ، وقال السهيلي : النصب أوجه ليكون تأكيداً لمدحه وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفا بذلك غيره ، وفي رواية ابن عباس : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلاَّ قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . قوله : ( فقال في كلامه ) ، أي : فقال أبو بكر في جملة كلامه : ( نحن الأمراء وأنتم الوزراء ) كأنه أراد بهذا أن الإمارة ، أعني : الخلافة لا تكون إلاَّ في المهاجرين ، وأراد بقوله : ( أنتم الوزراء ) أنتم المستشارون في الأمور تابعون للمهاجرين ، لأن مقام الوزارة الإعانة